أحمد بن علي الرفاعي الكبير

8

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

وقيل : المعرفة فقدان رؤية ما سواه ، بحيث يصير ما دون اللّه تعالى عنده أصغر من خردلة ، قال تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [ الأنعام : 91 ] . من نظر إلى اللّه تعالى ، لم ينظر لا إلى الدنيا ، ولا إلى العقبى ، وشمس قلب العارف أضوأ من شمس النهار ، وأبهج منها في مطلع الأنوار . طلعت شمس من أحبّك ليلا * فاستنارت فما لديها غروب إنّ شمس النّهار تغرب ليلا * وشموس القلوب ليست تغيب قال ذو النون رحمه اللّه تعالى : اطّلاع الحق سبحانه على الأسرار بمواصلة المدد ، كاطّلاع الشمس على الأرض بإشراق الأنوار ، فعليكم بتصفية القلوب ، فإنها مواضع نظره ، ومواطن سره ، فإنّ من عرف اللّه ، لا يختار غيره حبيبا سواه . وفي الخبر : « إنّ اللّه تعالى خلق خلقه في ظلمة ، فألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النّور يومئذ اهتدى ، ومن أخطأه ضلّ » . وهو نور يخرج من سرادق المنّة ، فيقع في القلب ، فيستنير به الفؤاد ، ويبلغ شعاعه إلى حجب الجبروت ، ولا يحجبه عن الحق الجبروت ، ولا الملكوت ، فيصير العبد في جميع أفعاله وأقواله ، وحركاته وإرادته ، في حياته ومماته ، صائرا إلى النور : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [ النّور : 35 ] . إن كنت لست معي فالذّكر منك معي * قلبي يراك وإن غيّبت عن بصري معرفة اللّه تعالى : قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : المعرفة : قرب القلب إلى القريب ، ومراقبة الروح للحبيب ، والانفراد عن الكل بالملك المجيب . وقال ذو النون : هي تخلية السر عن كل إرادة ، وترك ما عليه العادة ، وسكون القلب إلى اللّه بلا علاقة . وقال بعضهم : هيئتها جنون ، وصورتها جهل ، ومعناها حيرة . فإن العارف يشغله علم اللّه تعالى عن جميع الأسباب ، فإذا نظر إليه الخلق استجهلوه ، ويكون أبدا في ميدان العظمة ، ولها بين الخلق ، فإذا رأوه استجنّوه ، ويكون بكليته فانيا بحب جلال عظمته تعالى ، مشغولا عن من سواه ، فإذا أبصروه استدهشوه ! . ولا يقدر أحد أن يخبر عن المعرفة باللّه تعالى ، فإنها منه بدت ، وإليه تعود ، فالعارف فان تحت اطّلاع الحق تعالى ، باق على بساط الحق بلا نفس ولا سبب ، فهو